|
|
 تأملات في الزحف الأربعيني بقلم : عبد الستار الاسماعيلي
| لانضيف شيئا عندما نتحدث عن عظمة ملحمة كربلاء وماجسدته من معاني في التضحية والفداء من اجل مبادئ وقيم أراد الله تعالى لها الخلود من خلال ثورة الأمام الحسين (علية السلام ) ولاناتي بجديد عندما نستذكر وقائع تلك الملحمة وما جرى على ارض ألطف من مصائب تشيب لها الرؤوس وتقشعر لها الأبدان ولا تطيق العيون ألا أن تذرف الدموع مدرارا.
وفي كل عام يقف العالم بأسره إجلالا لهذه الملحمة فرغم تعاقب القرون بقيت الملحمة الحسينية .غضة .طرية .خالدة .تفيض عطاء وتعطي للأجيال تلو الأجيال دروس في معنى الحرية والكرامة والعدل ونبذ الجور والظلم والطغيان .
وهاهي جموع الزحف الأربعيني المليونية تملأ الرحب باتجاه ذلك الصرح الشامخ على مر الزمان حيث المرقد الشريف لأبي الأحرار الأمام الحسين (عليه السلام )في تظاهرة لم نجد لها نظيرا في كل أرجاء المعمورة ولم نجد لها شبيها في طقوسها ...بل لم نجد لها تفسيرا ألا ذلك الولاء والحب الفطري الذي سرى في عروق أولئك الزاحفين مع الحليب الذي رضعوه من أثداء أمهاتهم .شيبا وشبابا .أطفالا ونساء بل أننا نجد من يجد السير على الصولجان أو محمولا على الكرسي .لم يمنع حتى هؤلاء مرضهم وعوقهم من أن يلتحقوا بهذا الزحف .
اما منظر أولئك الذين نصبوا (جوادرهم )على الطريق ومن فتحوا أبواب بيوتهم لأستقبال وخدمة هذه الجموع فهو الأخر منظر تعجز الكلمات أن ترتقي إلى مستوى ما يشير إلية من المعاني السامية والقيم الرفيعة
وعندما نتأمل في هذا الزحف المليوني وما يشير إلية من دلالات ومايحملة من معاني نكتشف أننا أمام الحقائق لابد أن نقف عندها ونعطيها من الاهتمام بما يعيننا على تكوين رؤية واضحة تمكننا من تقديم اجابة مقنعة لعلامات الاستفهام التي تظهر هنا وهناك ..ومن هذه الحقائق :-
1-أن التاريخ الإنساني يدلنا على أن الصراع بين الخير والشر صراع قديم ولأجل إن تكون الغلبة للخير كانت هناك تضحيات من قبل المصلحين على مر الزمان ...والملحمة الحسينية تجسيد لأعتى مرحلة بلغها هذا الصراع حيث مثل طغيان يزيد ابلغ صورة للشر ومثلت الثورة الحسينية ابلغ صورة لكل معاني الخير ومبادئ الإنسانية الرفيعة وهذه الحقيقة رسخت في الأذهان من جيل إلى جيل في كل أصقاع الأرض لذا كانت القضية الحسينية ولازالت عنواناً ورمزاً ينضوي تحته كل من يعشق الحرية والكرامة ويهفو إلى تحقيق إنسانية الإنسان .. فلا عجب أن يقول غاندي مقولته الشهيرة تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر.
2- شخصية يزيد بصفته رمزاً للظلم والطغيان تكررت في كل فترات التاريخ ، في هذه البقعة أو تلك وقد عانت البشرية وذاقت الويلات ومرارة الجور والظلم ، فكانت مبادئ ثورة الأمام الحسين (عليه السلام ) مشعلاً هادياً لكل ثائر بوجه الظالمين .. لذا كان هذا الالتصاق الوثيق بين قضية الأمام الحسين (عليه السلام ) وبين هؤلاء الذين وجدوا في هذه القضية تعبير عن رفض كل واقع فاسد .
3- أذا أدرك الإنسان ماذا يمثل الأمام الحسين (عليه السلام ) رسول الإنسانية محمد(صلى الله عليه واله وسلم ) والدور الرسالي للثورة الحسينية باعتبارها امتدادا ًطبيعيا للرسالة الإسلامية وقد جسد هذا الدور تصحيحاً لمفاهيم فاسدة أريد لها أن تكون بديلاً عن المفاهيم الحقيقية لرسالة الإسلام سعياً نحو تحقيق الرغبات والأطماع والتسلط على رقاب الأمة .
إذا أدرك الإنسان ذلك وعرف ماذا تعني قضية الأمام الحسين (عليه السلام ) كان ذلك دافعا ًللتفاعل مع المبادئ الحسينية ومن ثم انعكاسه سلوكاً واقعياًَََََ في الحياة .
4- تفاصيل واقعة ألطف وجوانبها المأساوية التي عكستها المصادر التاريخية وصورتها الأساليب الأدبية المختلفة أحدثت وتحدث تأثيراً عاطفياً قويا ليس في وجدان الإنسان المسلم فقط بل أننا نجد هذا التأثير قد تغلغل في وجدان المجتمع الإنساني على اختلاف القوميات والديانات واللغات بدليل أننا إمام ارث أدبي كبير ونتاج فكري مشهود لأدباء ومفكرين خارج المجتمع الإسلامي ، وهذا التأثير انعكس كذلك بهذا الشعور الرافض لما أقدم عليه يزيد وجلاوزته ومن ثم تبلور هذا الرفض إلى نبذ كل رموز الطغيان والتسلط ممن هم على شاكلة يزيد ،وانشداداً نحو كل مبادئ تدعو الى تحرير الإنسان من عبودية الظالمين والمستبدين .
5- الأحاديث النبوية الواردة بخصوص ثواب زيارة الأمام الحسين (عليه السلام) أوضحت لكل إنسان فضلاً عن كل مسلم وأعطت له صورة جليه لامجال لتأويلها الى غير معناها بأن هذه الزيارة مرتبطة أساسا بمعرفة الأمام الحسين (عليه السلام) وما يعنيه الالتزام بالقيم والمبادئ التي دعا أليها مما يعني أن التوجه للزيارة وفقاً لهذا المفهوم هو بحد ذاته سلوكاً أيمانياً وممارسة عملية مستندة الى قاعدة معرفية تهدف الى تقويم الشخصية بالشكل الذي يجعلها تسير بسلوكيه منسجمة مع المنهج الإلهي وبالتالي الفوز برضا الله تعالى ما يتبع ذلك من ثواب عظيم .
6- رغم تعاقب أربعة عشر قرناً على حدوث واقعة ألطف ألا أننا نجد هؤلاء الذين يظهرون هنا وهناك من المبغضين لهذا المد الإلهي فيمارسون أعمال دنيئة ، وأفعال خسيسة لاتمت الى الإنسانية بصلة فضلاً عن الروح الإسلامية السمحاء بل هي تعبير عن الهمجية والحقد الأعمى وما هذه الجموع الزاحفة الا تحديا لهؤلاء الحاقدين وللجهل الذي يعشعش في رؤوسهم وإعلان لهم بأن ثورة الأمام الحسين (عليه السلام ) خالدة بخلود مبادئها ،
والله الموفق.
|
عودة | الاخبار | راسلنا جميع الحقوق محفوظة لمو قع العيون الساهرة 2010
|
|