عندما نلقي نظرة بسيطة على واقع حياتنا اليومية نجد انفسنا أمام مختلف المواقف التي تلح علينا وتدعونا لان نتوقف عندها بالنظر والتحليل الذي يرد الظواهر المعتادة في واقعنا الى أسبابها الحقيقية وبما أن هذه المواقف من الكثرة مما لايتسع المجال للتطرق اليها ألا أننا بالامكان ان نسوق مثالا نعتقد انه يكفي لما نريد ان نصل اليه واستميح القارئ الكريم عذرا ان وجد في هذا المثال بعض الصراحة القاسية والخلاصة ان احد الأصدقاء الذين أرسلوا للدراسة خارج القطر وتحديدا في لندن قبل عقدين من الزمان حدثني عن موقف ظل راسخا في ذاكرتي رغم مرور هذه الفترة الطويلة اذ نقل لي ذلك الصديق انه استأجر خلال دراسته سكنا في احد المنازل وكانت تدير شؤون ذلك المنزل امرأة متقدمة في العمر وكان من المعتاد ان تقدم هذه المنازل وجبات الطعام لروادها وفي احد الأيام فوجيء بهذه السيدة تقدم نصف وجبة فطور الصباح المعتادة ولما رأت استغرابه من هذا التغير بادرت قائلة ان حالة التقشف أعلنت البارحة في بريطانيا ولابد ان ننصاع للتعليمات مع اعتذار لطيف وتأكيد على ان الالتزام وتطبيق التوجيهات سيعيد الأمور الى وضعها المعتاد .
قد يبدو هذا الموقف بسيطا لأول وهلة ولكنه كبير في مايحمل من معاني في الوطنية الصادقة وحب الوطن والتفاني من اجل الحفاظ على مقدراته ويقدم لنا إجابة مقنعة عن سر تقدم هذه البلدان0
ومع يقيننا أن بلدنا لا يخلو من المخلصين و الغيارى ولكننا لابد أن نعترف بواقعنا المؤلم ونتسائل كم شخصا سيتصرف كما تصرفت هذه السيدة لو سمع إعلان حالة التقشف لاسمح الله في بلادنا , من المؤكد ان الأكثرية ستهرع الى جمع مايمكن جمعه من الأسواق وخزنه0 هذا واقع لايمكن نكرانه وهو سر بقاؤنا نراوح في نفس المكان في الوقت الذي قطع فيه الآخرون اشواطا كبيرة في كل جوانب الحياة0
ان أهم خطوة في تكامل الانسان هو انتصاره على ذاته والايمان بأن في الحياة أولويات ومالم نتعامل بالجديه المطلوبه مع تلك الأولويات فأن ذلك سينعكس حتماً على واقع حياتنا فمتى ما أدرك الانسان ان واقعنا بمختلف جوانبه هو انعكاس لممارسات أفراد المجتمع وبقدر ما لدى هؤلاء الافراد من وعي وشعور بالمسؤوليه فلاشك ان تلك الممارسات ستكون ايجابيه والعكس صحيح , فلنا ان نقدر مقدار ما يوفره إطفاء مصباح واحد في كل بيت من الطاقة الكهربائية , ولنا أن نتصور كم تصبح مدننا وشوارعنا نظيفة لو ألقيت الأوساخ وأعقاب السكائر والعلب الفارغه والمخلفات في أماكنها , وهناك الكثير من هذه الأمور التي لا تكلفنا شيئاً مع أن نتائجها الايجابية كبيره فالانتماء للوطن يبدأ من هذه الأمور البسيطة , فلنبدأ ببناء شخصيتنا الوطنية بمستوى المثال المتقدم ومتى ما تحقق ذلك نكون قد تخطينا اكبر عقبه نحو التقدم والرفاهية والله الموفق .
|