|
|
 أوراق مسافر بقلم : العميد أياد علي الحسني
| الاستذكار .. أمر صعب.. ولأسباب عديدة أولها إن عملية كهذه تحتاج إلى تنشيط الذاكرة .. ولمن شارف عمره على الخمسين ، تحتاج عملية تنشيط الذاكرة إلى وقت مصحوب بعناية ، لكي يقرأ المستذكر على شاشة الماضي ما خزن من معلومات ... ووقائع ... وبدون فعالية التنشيط هذا تصبح عملية الاسترجاع غير دقيق ، وبالتالي فان ما يعرض على الشاشة لا يمكن الاطمئنان لصحته .
وثانيها إن البعد الزمني بين التاريخ الذي وقع فيه حدث .. والتاريخ الذي تتم فيه عملية الاسترجاع يقترن عادة ، بل ومن الضروري إن يقترن ، بقراءة وفهم جديدين للوقائع وتكمن الصعوبة هنا في ان الماضي عندما يحفر أخاديد عميقة في تربة العمر ليس من السهولة تكييف اتجاهات هذه الأخاديد على النحو الذي يريده القائم لعملية الاسترجاع .
إن قنوات الإحداث والوقائع حفرت مجراها ونحتت في صخور العمر ومن الصعوبة تجاهل هذه القنوات أو القفز فوقها أو ردمها بتراب الإنكار !! .
وثالثها ان الماضي فيه من الإيجاب والسلب .. الصالح .. وغير الصالح ، الشيء الكثير 00 الماضي السلبي قد لا تتوفر الشجاعة الكافية لقراءته على المسامع كما هو وقد يقف الخجل حتى من الأبناء حاجز أمام الرواية الكاملة لوقائع الماضي والايجابي عندما يروى ، قد تنسجم عليه مفردات ( الأنا) ، وتنحوا الرواية باتجاه التضخيم أو ما يتصوره القارئ تضخيما لماضي ايجابي سيما ا له علاقة بالذات .
تلك صعوبات ، أو بعض صعوبات تحسستها ، وانأ أقدم على كتابة كانت لنا أيام في الكويت ... كنت مترددا لخشية من الذات وطغيانه على الموضوعي ! كيف اضمن إن أكون موضوعيا أو محايدا أو صداقا بالكامل عند قراءة مجريات ماض له علاقة بالسيرة الذاتية ؟
من جهة أخرى ، هذه الوقائع ترد فيها أسماء بعضها انتقل إلى جوار ربه وبعها لازال في قلب معمعة النشاط السياسي وبعضها على هامش هذا النشاط .. وهنا برز الهاجس الداخلي .. ربما لا يوافق من يرد اسمه في هذه اللوحات وربما يعترض البعض على الصورة التي ورد فيها اسمه ... قد تكون مجرد ( هواجس ) لكن الهواجس ، كالأشباح ، تخيف أكثر من الشواخص الملموسة مهما كان خطر هذه الشواخص !!..ان الخطر المتصور يخيف في أحيان عديدة أكثر من الخطر الفعلي !!
لكني بتشجيع من إخوة وزملاء اعتز بهم واثق بمشورتهم عبرت من فوق حاجز الهواجس والصعاب ، ثم دخلت الصحف بخط محبة وسلامة نية حيث قدمت نافذة تهب منها ريح من ماضي ليس ببعيد ، لقد وفرت هذه الصحف مقصا لفتح ثغرة في المشبك الحديدي ... وهكذا واعتبارا من سنة 2006م كانت زاوية أسبوعية تشغل حيزا متواضعا من صفحات الانترنت عبر مجال كتابات وكذلك محطات في الصحف العراقية كالزمان والصباح .
ومن تلك المحطات انطلق قطار الاستذكار مسافراً من محطة لأخرى وبدء الهواجس تضعف والذاكرة تنشط وتلاشت صعوبات الكتابة ، ومنذ البداية قد تمثلت بالاسم أو العنوان الذي تحمله لافته هذه الحلقات وكانت ثمة صعوبة ملموسة قد برزت 0فمع احترافي بأن ما كتبته ليس سيرة ذاتية بحته ، لكنه ـ بذات الوقت ـ لا يبتعد كثيرا عن مثل هذه السيرة .
إن أرضية هذه الحلقات هي من أعماق مدينة سوق الشيوخ من أريافها وأهوارها وشخوصها ريفية مألوفة خاصة تلك التي تفد إلى المدينة ولتسحق – في أكثر الأحيان – في طاحونة الزحام .. والتصارع .. والضياع ، ولان سوق الشيوخ بأريافه واهواره هو بستاننا الكبير .. ذو الحياة الخالية من التعقيد ولان سمة الريف عفوية الحياة وبراءة العلاقات ولان بين ربوعه كنز كبير من الموروث الشعبي والأمثال والمضايف ، لكل ذلك كان لزاما علي ان ارفع لافته سوق الشيوخ وريفه واهواره خفاقة على سارية هذه الحلقات ذات الطابع الاستذكاري معذرته من الإطالة - عزيزي القارئ – وألان اترك قطار هذه الرحلة يقف عند رصيف ابن العكيكه البار وآمل إن يمنحه تأشيرة وقوف ودخول إلى نادي الحوار معك ، في ديرة خر دشر .. وأخيراً !!
في صيف 1963 م ابصر النور نور جديد في منطقة خردشر على شاطىء نهر السفحه المتفرع من الفرات, واستبشر الجميع بقدوم هذا المولود الجديد الذي يمثل بولادته ينع جديد لورود ال دشر بصورة خاصه ولأهالي العكيكه بصورة عامه.
انه شاب وسيم دمث الخلق لطيف المعشر نبيل المشاعر,وكانت معاناته مبكره مع قساوة الظروف آنذاك الظروف الريفيه التي تبعدنا عن المدارس والدوام والطرق الغير معبده هي الاخرى كانت عائقا لأبن الريف انه من جذور ريفية مثلة مثل الكثير الذين التحقوا بمعتركات الزمن ومحاكاته , ترعرع ابن الريف في ضواحي مدينة العكيكه لذا اسميناه ابن العكيكه البار.
لم يكن ابن العكيكه البار أي صلة كثيرة في المدينه فهو من مواليد العكيكه ويعمل فيها لمساندة والده ولكن ظروف سوق الشيوخ الغير المستقرة دفعت بالكثير لاخراج عائلاتهم الى الريف حتى تستقر الحالة0 وكان الاخ الاكبر والمورث لوالده ليس باستطاعته مغادرة الريف الى المدينه بالرغم من استطاعته ذلك وبالرغم من عيشته لظروف ملحه للعيش بالمدينه 0 انه جابه قساوة الحياة كمثله من بقية اقرانه في الريف0
تعرفت على ابن العكيكه البارسنة 1975 م عندما ادينا الامتحان النهائي للدراسه الابتدائيه في مدرسة الفرات في سوق الشيوخ0 ثم درسنا سوية في ثانوية العكيكه ثلاث سنوات, ثم التحق في الجيش صنف الهندسه العسكريه واعطى ما اعطى من تضحيات جسيمه ثم اسقر في التجنيد بالجبايش وسوق الشيوخ وكم كان جادا في عمله , كان خضير ليس كما هو عليه الآن حيث ارتسمت عليه هموم الدنيا بكل شقاوتها واصبحت مرتسمات الحزن على شاكلته وتحمله المسؤلية كاملة في الريف والمدينه وضمن ونطاق العمل خصوصا بعد وفاة والده رحمه الله سنة 2004م 0
كنا سوية أيام الدراسة الثانوية كدفعة واحده أنا(الكاتب) والدكتور احمد عبد الصاحب والاستاذ فاضل جبار خفيف ومحمد جواد محيسن وناظم فزيع وعادل فرج الموسوي والشيخ كريم الساعدي الذي يسكن النجف حاليا والشاعر مجيد عبد الحسين والسيد ناظم عبد حسن المقيم في السويد صاحب اكبر مكتبه عربية هناك واللواء الركن سعد علي عاتي الحربيه وشعبان عبد الله عاتي وساطع مغامس عبد الله والاستاذ مصطفى فشيل وعبد العالي فشيل وعبالباري فشيل ومنهم من الحماحمه مكي محمد نعيم وخالد محمد نعيم والمرحوم ماجد محمد نعيم والشيخ ناجي هاشم سفاح وآخرين لم تحضرني اسماؤهم للأسف لصعوبة استحضار الكلمات لآسيما وان العمر على عتبات الخمسين لابد للذاكره ان يشوبها خلل, كان ابن العكيكه هو الاجمل انه شاب جميل متفتح, شخصيته متميزة. يسعى بأن يكون الأول دائما في المعرفه
وفي كل الأمور, الحب والعلم وحتى العمل, يبحث دائماً عن رد الاعتبار, يريد من يقول له أنه متميز, لا يختلط بأحد, يعشق الوحدة, يحلم دائماً أن يكوِّن اسمه بنفسه, وأن يكون خاصاً به فقط وبشخصيته المستقلة, وأن يكون مكانه تحت الشمس.
واذكر له قصة غرام لطيفه كأني استقرؤها الآن هي غرام أول شابه نظر إليها بعينين يشوباهما الاهتمام, كان ذلك في السابعة عشر من ربيع عمره, سلّم مصيره لتلك الشابه وأحاطته بسياج من العناية واللطف حتى نبت حبه في شرايينها وشعر بارتواء وإشباع بعد أن كان يشعر بجوع وظمأ كبير إلى الحب والاهتمام. حتى أصبح يكره كل لحظة يكون بعيد عن حبيبته, إذ كان أحس بفراغ سقيم من دونها. فأصبح حبه في حياتها أهم شيء لها وبحد كبير. أصبح كالدم النقي الذي لا تستغني عروقها عنه.
إنه هو الذي استطاع أن يغير مجرى حياة( ؟,) أن يقلبها رأساً على عقب, انه الشاب الذي ملأ حياة( ؟ ) بالسعادة, بالأمل, هو من يشدو إليها بالحب ليل نهار ويزهر ورود عمرها صيفاً وشتاء, ويسقي عطشها في كل الأوقات, ويزيل عنها كل الهموم ولأحزان.
انه.. ذاك الشاب الجميل الذي تميز برومانسية قيس وشهامته, بمروءته وشجاعته, بإخلاصه وجنونه.. بحبه الكبير لـ (؟)
عندما مالت الشمس إلى الغروب, وانصرف ذلك الحر الشديد إلى أماكن بعيدة في هذا الكون الواسع, وحل مكانه نسيم لطيف داعب الشفق بحنان متزايد, فظهر ذلك الاحمرار الطاهر الذي رافق الشمس لدى غطسها في أعماق الأفق.
لا تزال ؟ تجلس على رمال الشاطئ, والدموع تنهمر على وجنتيها, ونورها يواسي ألمها.
ومن خلف الشجون, وآفاق الجنون, من جنة الحب, ومن طيف الأماني, ترسل له على غفلة وأمام عينيها وردة حمراء يملأها الشذا والأريج. إذ وبشاب وسيم في أفنون شبابه, يطل بضحكته الأخاذة, وبنظرات عيناه النرجسيتان الساحرتان, يقدم الوردة الجورية الحمراء بكل تواضع.
لااريد التدخل بتفاصيل اكثر لأني غادرت الريف الى المدينه وانقطعت اخباري من رفيق دربي خضير وقمت اتابع اخباره عن كثب وعن بعد حيث لمره واحده لم التقي مع هذا الوسيم الطيب اكثر من ستة سنوات متتاليه تلك الايام التي عشناها ايام الحصار البائس الذي ترك اثره فينا لحد الآن.
آمل أن تكون هذه الذاكرة ، أداة صالحة لأجيال القادمة ، وتبعث في نفوس المتأملين فيه القدرة على التوسع والتقدم ، تحبب إليهم العدل والإنصاف .
هذا ما اهتديت إليه من هذا الموجز لحبي وتقدير لأبن محلتنا صاحب العطاء الذي لاينضب ابن العكيكه البار واليه التقدير ولكل المحبين إن يرسلوا هذه الذكريات إلى أبناء بلدتنا لأنها تحفه فريدة نادرة كباقة ورد يهديها للمشتاقين لحب السلام والإسلام
|
عودة | الاخبار | راسلنا جميع الحقوق محفوظة لمو قع العيون الساهرة 2010
|
|